توسّع الرسالة

دمار ومذابح، جوع وتهجير ونفي، تلك كانت نصيب الشعب اللبناني من الحرب العالميّة الكبرى الأولى، فكان الجنود العثمانيون لا يوفّرون أحداً من عنفهم المتوحّش، لا أديرة ولا رهباناً. لقد احتلّ الجيش العثماني الأديرة في المتن، وأحرق ما استطاب حرقه منها، دمّر وهدّم، وانتهك حرمة المقدّسات، محوّلاً تلك الأديرة إلى ثكنات عسكرية والكنائس إلى مزارب للخيل، بعد أن طرد الرهبان من مساكنهم، ونفى بعضاً منهم إلى برّ الأناضول، وقتل آخرين.

حطّت الحرب أوزارها وانهزم العثمانيون سنة 1918 وهجروا البلاد، بعد احتلال دام 400 ماثة سنة، وحلّ الانتداب وما استرجعت الرهبانية كلّ أديرتها إلى ان تمّ ذلك على يد الرئيس العام الأباتي يوسف العراموني.
شتت الحرب الرهبانية، وقطّعت أوصالها ومات جوعاً العديد من أبنائها إلاّ انها استرجعت قواها وحيويتها، رغم توقّف الابتداء فيها حتى 1931. فعادت الحياة تنتعش في الأديرة، وتثبّت الابتداء نهائياً في دير مار اشعيا منذ 1938، بعد ان تنقّل من دير مار اشعيا إلى دير مار يوحنا – عجلتون ودير مار روكز في الدكوانة.

في عام 1941 أنشأت الرهبانية الإكليريكية الصغرى أو الطالبيّة في دير مار اشعيا، واعتبر ذلك انطلاقة جديدة في الحياة التوحديّة. فابتدأ الطلاب الراغبون في الدخول في سلك الرهبانية، بالانخراط فيها تابعين نظام دروس جديد، ابتداء من الصفوف الصغرى حتى عمر 15 سنة، حيث يدخلون الابتداء ويتمرّسون على تنشئة رهبانية خاصة قبل إبراز النذور الرهبانية.
في نهاية 1949، قرّرت الرهبانية نقل المدرسة الإكليريكية الصغرى والكبرى من دير مار اشعيا إلى دير مار انطونيوس – بعبدا. وذلك على عهد الرئيس العام الأباتي بطرس لطيف. فهناك تابع الطلاب والرهبان الأحداث دروسهم بحسب برنامج الدولة. فكانوا يتقدّمون من الفحوصات الرسمية لنيل شهادات نهاية الدراسة قبل المباشرة بدروسهم الكنسيّة.
أما الدروس الفلسفية واللاهوت فتابعها الرهبان الدارسون منذ 1932، في جامعة القديس يوسف للآباء اليسوعيين، في بيروت.

ومنذ سنة 1958، وبلفتة من مجمع الكنائس الشرقيّة في الفاتيكان، وفضلاً لدعم الكاردينال أكاسيوس كوسى، ومحبة من أبناء الرهبانية للعلم، التي عبّر عنها الرئيس العام الأباتي مارون حريقه، تابع الرهبان الأنطونيّون دروسهم الفلسفية واللاهوتية في روما، في جامعة القديس انسلموس لرهبان مار مبارك، وبعدها في جامعة مار توما الأكويني الحبريّة. وأخيراً، بجهد من أبناء الرهبانية، وتجاوباً مع طموحهم إلى التنوّع الثقافيّ، وبدعم من الكاردينال ألبير ده كورتري رئيس أساقفة ليون، دخل الرهبان الأنطونيون آباء واخوة إلى جامعة ليون الكاثوليكية، في فرنسا، وأنشأت الرهبانية لهذا الغرض دير مار أنطونيوس في شابونو. يتميّز الحضور الأنطوني هناك بالروحانية المشرقية والخدمات الرسوليّة النشيطة والمستوى الفكري والعلمي.