تجذّر في التقليد الرهباني

نشأت الرهبانية الأنطونية المارونية، في أواخر الجيل السابع عشر، على يد المطران جبرائيل البلوزاوي أسقف حلب آنذاك. كان البلوزاوي رجلاً مشهوداً له بالقداسة والتقوى المثاليين، والمصلح والمجدّد للحياة الرهبانية في الكنيسة المارونية في مطلع القرن الثامن عشر.
أنشأ المطران البلوزاوي في سنة 1673، دير سيدة طاميش، وجعل منه كرسيّ أسقفيته، وأقام فيه نمطاً لحياة رهبانية متجدّدة.

تدرّب رهبان ذلك الدير مع أسقفهم على حياة رهبانية شرقية أصيلة، محافظين على القوانين التوحدية، منفتحين على نشر الإنجيل والرسالة في المحيط المجاور. وفي سنة 1698 اختار البلوزاوي رهباناً من تلك الجماعة، وأرسلهم ليشيّدوا على تلة عرمتا قرب برمانا – المتن ديراً جديداً لهم على اسم القديس اشعيا الراهب الحلبيّ، ابن والي حلب وتلميذ الأنبا اوجين. هناك، انطلق الرهبان الأول ليؤسّسوا جماعة رهبانية مجدّدة بحياة توحّدية شرقية أصيلة، منفتحين على منطقة مختلفة الأديان والمذاهب، في قلب المتن، حيث كانوا يشهدون بنسكهم وغيرتهم الرسولية، على عمق إيمانهم بالمسيح، وتمسّكهم بتقاليد آبائهم وأجدادهم الرهبان القدّيسين.

في الخامس عشر من شهر آب سنة 1700، احتفل الرهبان المتجدّدون، بقداسهم الأوّل، في عيد انتقال السيّدة العذراء مريم، مدشّنين في ديرهم الجديد، مار اشعيا، دفعاً جديداً وانطلاقة متجدّدة لحياة رهبانية شرقية تمتدّ إلى أجيال.


البدايات

منذ ذلك الحين، ما زالت الرهبانية تعمل من دون كلل، شاهدة على غنى المسيح، لدى المسيحيّين وغير المسيحيين، أمينة لتقليدها وتراثها الرهباني، على صورة المسيح المصلّي على رأس الجبل، أو في الأماكن المقفرة، ومبشّرة أيضاً بملكوت الله للشعب، شافية باسمه المرضى، رادّة الخاطئين. وذلك، باندفاع أبنائها بقوّة من الروح القدس، بعطاء كامل وتجرّد تام عن الذات، حسبما يشهد على ذلك، العلاّمة السمعاني، في مقدمته لرسوم وقوانين الرهبانية: "...آخذين بالاعتبار، مثالية رهبانكم القدّيسين، رسالتهم في خدمة الجماعة، بتبشير الإنجيل وجدارتهم في المثل الصالح والطاعة لرؤسائهم في الكنيسة، فإنّه مشهود لهم عند الرؤساء كما عند الشعب، وهم مثال لسائر العائلات المشرقيّة... بناء على ذلك، أثبتت قوانينكم".

هكذا كانت الكنيسة المحلية تعتبر خاصيّة الرهبانية الأنطونية المارونية، ورسالتها في خدمة الكنيسة والقريب، وتمنحها بالتالي بركتها، تشجيعها واهتمامها، معترفة بالرهبانية، كتعبير مثبت في الحياة الرهبانية الشرقية.
وفي الاندفاع عينه، وبدفع من الروح القدس، بارك البطاركة اسطفان الدويهي وجبرايل البلوزاوي وسمعان عوّاد رسالة الرهبانية، كما انه، في سنة 1740، ثبّت البابا إقليموس الثاني عشر، قوانينها. في رسالته الرسولية:"أبو المراحم"، وأضفى عليها صيغة قانونية من "حق حبريّ"، مع الحقوق والامتيازات المعترف بها في كل مؤسّسة رهبانيّة.


رسالة الرهبانية