رمز التاو

 

التاو هي علامة أنطونيوس الذي استحقّ أن يكون أب النسّاك في الكنيسة الجامعة. هي عصاه، عكّازه في صلواته المطوّلة، وفي حلّه وترحاله، رفيقة وحدته، ورمز حسّي للتاو- الصليب - التي لبسها ليس فقط على ثيابه بل هي وسمت حياته وطبعت في جسمه جراحات خفيّة كتلك التي حفرت بنور من الصليب في جسم القديس فرنسيس الأسيزي.

 

 

 

فما هي التاو؟ وكيف تطوّرت على مدى العصور؟

 

-

التاو هي الحرف الأخير من اللغات الأبجديّة والسريانيّة والكلدانيّة والعبريّة ثم القبطيّة. وفي اللغة العربيّة، هي الحرف الثالث، «التاء»، وليست الحرف الأخير. وقد أتت في اللاتينيّة واليونانيّة على شكل صليب (T).

    ترمز التاو في بداياتها إلى تقاطع الضدّين: الأفقي والعمودي. لذا، هي تصوّر إمكانيّة التقارب واللقاء والمصالحة، وقد رسمتها الشعوب البدائيّة في مغاورها منذ آلاف السنين، وزخرف بها البابليّون والأشوريّون هياكلهم رمزًا لتوسّط الآلهة في حياة البشر. وقد أكثر من استعمالها الفراعنة حروفًا في تعابيرهم ومفاتيح للحياة على مدافنهم ودعيت «أنخ»، ونتأمّلها في ساحة الكونكورد في باريس على استدارة «المسلّة» التي نقلت من مصر، عمودًا من عواميد قدرة الإنسان ليس فقط على بناء المدينة الأرضيّة، بل هي أيضًا رمز للعبور إلى الشطّ الآخر في حياة لا تنتهي.

    التاو في المدافن والمعابد الفرعونيّة علامة للمرساة وللرجاء بتغلّب الحياة على الموت.

    وقد تركت التاو أيضًا بصماتها في معابد الفينيقيّين، في لبنان ثمّ في قرطاجة، وعلى نُصبهم وجدران نواويسهم وأسماء آلهتهم. فالإلهة تانيت – عشتروت، الأمّ الكبرى، التي بقي اسمها حيًّا في قريتي عيتنيت وعقتنيت، كانت تمثّل هي نفسها التاو في انتصابها وفي كيانها الأنثويّ الخصب عندما تلتقي بأدونيس، فتفيض الحياة في الطبيعة بأكملها ربيعًا متجدّدًا في الأنهار والنبات والحيوان والإنسان.

    لقد طوّر العبرانيّون هذا المفهوم من تناوب الشتاء والربيع، والحياة والموت، في أسطورة أدونيس وعشتروت (تانيت)، إلى مفهوم خلاصي قياميّ تعمّق في الكتاب المقدّس القديم. التاو التي رُسمت بدم الحَمل الفصحي على أبواب العبرانيّين لنجاتهم من ضربات مصر (خروج ١٢/ ٢١)، تطوّرت إلى مكافأة شخصيّة تُطبع على جباه «الذين يتنهّدون وينتحبون على القبائح التي صُنعت في وسط أورشليم» العاتية (حزقيال ٩/٤).

    أمّا العهد الجديد فقد جعل من التاو رمزًا لصليب المسيح: «كما رفع موسى الحيّة في البريّة فكذلك يجب أن يُرفع ابن الانسان» (يوحنا ٣/١٤) «وستراه كلّ عين حتى الذين طعنوه» (رؤيا ١/٧). وتصبح التاو اسمًا من أسماء المسيح المتجسّد، إله الأزمنة والأمكنة: «أنا الألف والتاو» (الياء بالعربية)، الأول والآخر، «البداية والنهاية» (رؤيا ١/٨ و٢١/٦ و٢٢/١٣). وفي اللغة اليونانيّة، توازي «التاو»

- ليس من العجب أن تستعمل الكنيسة منذ بداياتها رمز التاو للتعبير عن لاهوتها وروحانيّتها وعبادتها، بالأخصّ في أيّام الاضطهاد حيث التعبير الرمزي كان التعبير الأفصح في دياميس روما والكهوف والمعابد شرقًا وغربًا.

    واستعمال التاو في تاريخ الكنيسة، كما في الكتاب المقدّس، حركة ليتورجيّة ترمز إلى الرحمة والتقديس.

    والتاو، صليب أنطونيوس، هي من بابٍ أول صليب المسيح الذي عُلِّق، بحسب التقليد الحي المتناقل في الأراضي المقدّسة، مثل المحكومين جميعًا، على جذع شجرة تعلوها عارضة بشكل تاو. التاو، عصا النسّاك وعكّازهم، قادت أنطونيوس في العبور إلى «الصحراء الداخليّة» والسُّكنى في «الجبل الداخليّ"، حيث لبس الصمت كما يلبس راقص الباليه جسمه فكأنّه تحوّل بكلّيته إلى رقص. وقد تكرّست هذه التاو العصا والعكّاز، في رعايانا وكنائسنا، سندًا للمتحلّقين حول القرّاية في الصلوات المستفيضة والتسبيح الطقسيّ، وخصوصًا صلاة الحاش.

    عندما التقى القدّيس فرنسيس الأسيزي الأنطونيّين في روما، أُعجب بكيفيّة استعمالهم للتاو الشافية البَرَص، فاتّخذها لرهبانيّته علامة مميّزة.

    التاو هي العلامة المميّزة للرهبانيّة الأنطونيّة بفَرعَيها رهبانًا وراهبات، وقد أسمتها «عُكّازًا» تيمّنًا بنُسك أنطونيوس وتكرّسه للصلاة والعبادة والسهر والانتصاب ارتقاء نحو الله. ويرمز ذراعا التاو – العكّاز الممدودتان نحو البشر إلى الشفاعة والتضرّع والإرشاد والرحمة والخدمة.

الحياة المشتركة