في لبنان

الراهب الأنطوني أينما وُجد، يذكر دوماً، من خلال عيشه وخدمته، رسالته التي تقوم بالتذكير المستمّر لشعب الله بأنه سائر نحو الملكوت وحاجٌ إليه. ينطلق الرهبان الأنطونيون إلى الرسالة من أديرتهم التي هي مراكز صلاة وعيش أخويّ، ليس فقط إلى كل المناطق في لبنان، بل أيضاً إلى ما وراء حدود البلاد. إن أغلبيّة أديرة الرهبانيّة، أنشأها ووسّعها الرهبان أنفسهم، حسبما تشهد على ذلك الوثائق المحفوظة في محفوظات الرهبانية التاريخيّة. كما أنّ توزّع تلك الأديرة على المناطق في البلاد، يشكل مؤشّراً بيّناً لأهداف الرهبانيّة ورسالتها الدينيّة. نقدّم على التوالي بالتراتبية وبحسب تواريخ التأسيس، أديرة الرهبانية مع نبذة مختصرة جدّاً عن تواريخها ورسالتها.

مراكز اخرى

القديس أنطونيوس الكبير  
 

وُلد هذا القدّيس العظيم في مدينة كوما في صعيد مصر نحو السنة 251. وقد كتب سيرته القدّيس اتناسيوي بطريرك الاسكندريّة معاصره، قال: "وُلد أنطونيوس في مصر من أبوين مسيحيَّين تقيَّين". توفي والداه تاركَين له أختًا دونه سِنًّا، فكان لها الأخ الشفيق المحبّ. سمع يومًا كلام الإنجيل المقدس: "إن كنت تريد أن تكون كاملاً فاذهب وبِع كلّ شيء لك واعطه للمساكين فيكون لك كنز في السماء وتعال واتبعني" (متّى 19: 21). فكان لهذه الآية وقعُها العميق في قلبه، فمضى فباع ما يملك، تاركًا لشقيقته نصيبها، ووزَّع ما خصَّه على الكنائس والفقراء. واعتزل الدنيا. وأخذ يزور النسّاك، صارفًا أكثر أوقاته بالصلاة والتأمُّل ومطالعة الأسفار المقدّسة. فحسده الشيطان وأخذ يجرّبه. أمّا أنطونيوس فكان ينتصر على هذه التجارب بالصوم والصلاة والتأمّل. ولم يكن يقتات بسوى الخبز والملح وقليل من الماء. وبالرغم من انتصاراته على التجارب، لم يكن الشيطان لينفكّ عن منازلته. وانفرد في الصحراء ودخل قبرًا قديمًا أقام فيه أشهرًا. وما زال الشيطان يهاجمه بصور حيوانيّة مرعبة، لكنّه كان يقاومها بمعونة الله. وفي هذا العراك الهائل أشرق في هذا الكهف نورٌ سماويّ وظهر الربّ يسوع. فصرخ أنطونيوس: "أين كنت يا سيّدي؟" فأجابه الربّ: "كنت هنا، يا أنطونيوس، أشاهد جهادك". ثم توغّل في صميم الصحراء، واستأنف حياة التأمّل ومناجاة الخالق مدّة عشرين سنة، إلى أن عرف الناس بمقرّه فأخذوا يأتونه من كل صوب. وطلب الكثيرون منهم أن يَقبَلهم في عداد تلاميذه، فأجاب طلبهم ونزل معهم إلى ضفاف النيل، حيث أنشأ لهم ديورة عديدة. وكثُر عدد الرهبان جدًّا وانتشر عبير الفضائل المسيحيّة في تلك البراري. وكان أنطونيوس يزور الأديار ويثبّت الرهبان في دعوتهم. ومن أقواله المأثورة: "يا بني لا تهمل ذكر الأبديّة؛ قل لنفسك في كل صباح أنّك ربما لا تعيش إلى المساء، وعند المساء أنّك ربما لا ترى نور النهار. قاوم التجربة بشجاعة، إنّ الشيطان ضعيف أمام الصوم والصلاة وإشارة الصليب". وفي السنة 311 ثار الاضطهاد بشدّة على المسيحيّين، فهبَّت نار الغيرة في قلب أنطونيوس فسار إلى الإسكندريّة يشدّد عزائم الشهداء ويرافق المسيحيّين إلى المحاكم ويشجّعهم على الثبات في الإيمان، ولمّا خمدت نار الاضطهاد، عاد إلى صومعته يتابع حياته النسكيّة. ومنّ الله عليه بموهبة شفاء الأمراض وطرد الشياطين، فتقاطر الناس إليه أفواجًا فخاف من روح الكبرياء، فهرب إلى بريّة تيبايس العليا. وبعد أن عثر رهبانه عليه زار أدياره وحثّ الرؤساء والرهبان على مواصلة السير في طريق الكمال، وعاد إلى خلوته. ثمّ زار القديس بولا أوّل النسّاك. وفي السنة 325 ازدادت هرطقة الأريوسيّين تفشيًا في الإسكندريّة، فدعاه القديس اتناسيوس إليها فلبّى أنطونيوس الدعوة، رغم كبر سنه، فخرجت المدينة لاستقباله. فأخذ يحذّرهم من الهرطقة الأريوسيّة، ويبيّن لهم أنّ المسيح إله حق وإنسان حق. ثم عاد إلى جبله. وكانت له المنزلة الكبرى لدى العظماء والملوك، لا سيّما الملك قسطنطين الكبير الذي كتب إليه يطلب صلاته وشفاعته. وفي المرحلة الأخيرة من حياته، زار أديرة رهبانه محرِّضًا الجميع على الثبات في طريق الكمال. ورقد بسلام في 17 ك2 356 وله من العمر مئة وخمس سنين. من تركته الروحيّة سبع رسائل شهيرة كان قد وجّهها إلى بعض أديرة المشرق. وقد نقلت من القبطيّة إلى اليونانيّة واللاتينيّة وطبعت مندمجة بين تآليف الآباء. وحسبنا أن نذكر المناسك والنسّاك الكثر الذين اقتدوا به متّخذين طريقته في لبنان. وما وادي قاديشا، ودير مار أنطونيوس قزحيّا التاريخي الشهير بمعجزاته في طرد الشياطين إلاّ دليل على ما لهذا القديس من الشفاعة لدى الله ومن الثقة والكرامة في قلوب اللبنانيّين. والرهبانيّات المارونيّات الثلاث أبت إلاّ أن تدعى باسمه المبارك منذ نشأتها وأن تتبع طريقته النسكيّة. ولذلك حقّ له أن يدعى "كوكب البريّة" ومجد الحياة الرهبانيّة وشفيع الجماعات والأفراد في كل مكان وزمان. صلاته معنا. آمين. (نقلاً عن كتاب "السَنكِسار" بحسب طقس الكنيسة الإنطاكيّة المارونيّة)

القديس أنطونيوس البداوني  
 

ولد هذا القديس في مدينة لسبونة، عاصمة مملكة البرتغال سنة 1195، من أسرة غنية، تقية، ولما كبر دخل رهبانية القديس أغسطينوس وصار قدوة الفضيلة والعلم فيها لا بل عَلَماً من اعلامها. غير ان أهله عارضوه في دعوته فنقل الى دير آخر.

وفي ديره الجديد، زاد تفرغاً لعبادة الله واقتباس العلوم، ثم نقل الى رهبانية مار فرنسيس، وحضر مجمع رهبانيته الذي عقده القديس فرنسيس، وفي سنة 1222 رقي الى درجة الكهنوت وخطب الخطبة المعتادة، إطاعة لرئيسه، وكان لخطابه وقع شديد، فأمره القديس فرنسيس بإلقاء الوعظ، فتهافت الناس لسماعه فارعوى بكلامه كثيرون من الخطأة والكفرة الى التوبة.
وانتُدب الى علم اللاهوت في مدن كثيرة من إيطاليا، وفرنسا، فطاره شهرته بعلم اللاهوت كما بالوعظ، وقد أجرى الله على يده آيات باهرة.

ثم سار الى بادوا وعكف على إلقاء المواعظ، وإذا كانت الكنائس تضيق بالسامعين، كان يعظ في الساحات والحقول، ومع كثرة أعماله هذه الرسولية، لم يكن ينفك عن ممارسة أنواع الإماتات والأصوام والصلوات، فسقط كالجندي في ساحة الوغى، واسلم روحه بيد الله في 13 حزيران سنة 1231 وهو في السادسة والثلاثين من عمره، وانتشرت عبادته، فعمت الدنيا، وهو الشفيع للملايين، والناس يلتجئون إليه، خاصة، في اخطار الغرق وضياع الأشياء.

وقد أحصاه الكرسي الرسولي، بعد وفاته بسنة، في مصاف القديسين في عهد البابا غريغوريوس التاسع، صلاته معنا.

تذكار الشهداء تراخوص (إدنا) ورفيقيه


كان هؤلاء الأبطال الثلاثة من قيليقية. أما تراخوص فروماني خدم في الجندية زماناً باسم فيكتور (منصور) ثم ترك وظيفته إراحة لضميره. وكان بروبوس من بمفيليا من أسرة غنية وزّع ماله على الفقراء والمحتاجين زهداً في الدنيا. أما اندرونيكس فكان من وجهاء أفسس.

إيان اضطهاد المسيحيين استحضرهم الحاكم نومريان واستنطقهم، فجاهروا بإيمانهم بكل جرأة وشجاعة. وسأل الوالي تراخوص: ما اسمك؟ فأجاب: انا مسيحي. فأمر بصفعِه بشدّة. فقال: قد سمّاني والدي تراخوص وبين الجند اسمي "فيكتور" وما هو نسبك؟ - انا روماني وجندي وقد تركت الجندية بإذن قائدي". فقال الوالي: عليك ان تضحي للآلهة. فأجاب:"إني أقدّم ذبيحة قلبي للإله الخقيقيّ، رب الجميع، وله وحده أسجد، ولست أقدّم ضحية للأخشاب آلهتكم". عندئذ أمر الوالي فضربوه وعرّوه من ثيابه وقيّدوه بالحديد وألقوه في السجن مع رفيقيه اللذَين لم يكونا قد استنطاقهما أقل جرأة منه. ثم أنزلوا بهم أشد العذابات هولاً كالنار والسياط وبتر الأعضاء ومنها قطع الشفاء والآذان. لذلك يلجأ المؤمنون الى القديس تراخوص في أمراض الأذن، ويدعوه السريان (إدنا) أي الأذن. وبعد تهشيمهم صبّوا على جراحهم خلاً وملحاً فكانوا صابرين مسرورين يمجدّون الله الذي قوّاهم على الاستشهاد. ثم طرحوا فرائس للسباع لم تمسّهم بأذى.

لوما يئس الوالي من ثباتهم وبأسهم أمر بضرب أعناقهم فنالوا إكليل الشهادة سنة 304.. صلاتهم معنا. آمين.

القديس شربل

ولد القديس شربل في 8 ايار 1828، في بقاع كفرا من لبنان الشمالي، في أعلى قرية من لبنان. ابوه انطون مخلوف وامه بريجيتا عُرفا بتقواهما الصحيحة. ترك يوسف بيت ابيه بعمر الثالث والعشرين وقصد الترهّب في الرهبانية المارونية اللبنانية. دخل الابتداء في دير سيدة ميفوق، ثم انتقل الى دير مار مارون عنايا حيث اتم عامه الثاني من الابتداء. عينه الرؤساء تلميذا فأُرسِلَ إلى دير كفيفان حيث قصى ست سنوات في درس الفلسفة واللاهوت وتربى هناك على ايدي رهبان قديسين، خاصة الآب نعمة الله الحرديني، المعروف "بقديس كفيفان". رسمه كاهنا، في بكركي، المطران يوسف المريض في 23 تموز 1859. أقام الأب شربل في دير مار مارون عنايا، بعد سيامته، مدة 16 عاماً، متمرساً بأسمى الفضائل الرهبانية. ولا سيما فضيلتي التواضع والطاعة.

وقد اجرى الله على يده في الدير آيات باهرة، منها "آية السراج" الذي ملأه له الخادم ماءً بدل الزيت، فأضاء له ساعات صلاته الليلية. طلب من رؤسائه، بالهام الله، الاستحباس في محبسة دير عنايا، فأذنوا له بذلك عام 1875، حيث قضى فيها 23 سنة. لقد اطلق العنان، في المحبسة، لكل رغائب قلبه السخي العطاء. فضاعف اعماله التقشفية وزاد شغفاً بالتأمل والصلاة والاستغراق بالله، حتى اصبح "انسانا سكران بالله"... ومن تقشفاته انه كان يركع على طبق من قصب ذي حروف شائكة. يلبس المسح على جسده، ينام قليلاً ويصلّي كثيراً ويعمل في الحقل عمل اليد بموجب قانون الحبساء. وما لبث ان انتشر عرف قداسته، فأخذ الناس يقصدونه لينالوا بركته ويلتمسوا منه شفاء امراضهم وخصب مواسمهم. وقد اجرى الله على يده آيات عديدة في حياته.
وعام 1898، في الأسبوع السابق لعيد الميلاد، شرع الحبيس يتلو القداس كعادته. فما ان تلا كلام التقديس وبلغ الى رفعة الكاس والقربان، تاليا صلاة "يا ابا الحق"، حتى اصابه عارض الفالج، فاستمر رافعاً الكأس والقربان واصابعه متشنجة عليه. تمكن رفيقه الأب مكاريوس من نزع الكأس والقربان من يديه وحمله الى غرفته. قاسى اوجاعاً مرة، مده ثمانية ايام، دون ان ينقطع عن اتمام قداسه، الى ان اسلم روحه بكل هدوء مساء عيد الميلاد عام 1898.

دُفِنَ الأب شربل في مقبرة الدير العمومية. وقد شاهد اهلُ الجوار ليلة دفنه نورا يتلألأ فوق ضريحه، وتكرر ظهور النور طوال 45 ليلة. وعام 1965، في ختام المجمع الفاتيكاني الثاني، رفعه قداسة البابا بولس السادس الى شرف الاكرام على المذابح وأحصاه في مصاف الطوباويين. وقد تشيّدت على اسمه كينسةٌ في عنايا، قرب ضريحه. وقد اعلن قداسة البابا بولس السادس نفسه الطوباوي شربل قديساً في التاسع من شهر تشرين الأول 1977.

صلاة القديس شربل تكون معنا. آمين

ايليا النبي

كان هذا النبي من سبط لاوي، من عشيرة هارون، وكان نحو سنة 890 قبل المسيح، في أيام آسا ملك يهوذا وآخاب ملك إسرائيل، وقد اشتهر بجرأته وغيرته على عبادة الإله الحقيقي وحفظ نواميسه. (انظر سفر الملوك الثالث).

وكان آخاب قد تنادى بإسخاط الرب، هو وإيزابل امرأته8 أكثر من جميع ملوك إسرائيل، فأرسل الربّ إيليا يقول له:"حيٌّ الربُّ الذي انا واقف أمامه، إنه لا يكون في هذه السنين ندى ولا مطر إلا عند قولي". وتمّت نبوءته.
وأقام تجاه الأردن حيث أمر الربّ الغربان فكانت تفوته. ولما طال انحباس المطر وجفّ ماء النهر ذهب بأمر الربّ الى صرفت صيدون، حيث كان ضيفاً على أرملة فقيرة وفاها هي وابنها من الجوع بآية جرة الدقيق فلم تفرغ وقارورة الزيت فلم تنقص وأقامته ابنها من الموت.

ثم اختبأ من وجه آخاب الذي كان يسعى في طلبه ليميته، وظهر أمامه وأنّبه على تركه وصايا الربّ، وكانت يد الربّ مته، وحنقت إيزابل وأرسلت تهدّده بالقتل، فهرب الى بئر سبع ثم الى البرية، وهو يائس جائع، فأتاه ملاكٌ بالقوت والماء مرتين، وبات في مغارة، فناداه ملاك الرب:"ما بالك ها هنا يا إيليا"؟ فقال:"اني غرت غيرة للرب إله الجنود، لن بني إسرائيل قد نبذوا عهدك وقوّضوا مذابحك وقتلوا أنبياءك وبقيت انا وحدي وقد طلبوا نفسي ليأخذوها.

فأمره الربّ بالرجوع الى الدفاع عن الحق، فعاد ووبّخ الملك وامرأته واتخذ إليشاع تلميذاً له. فغار غيرة عظيمة على شريعة الربّ وكان الله يعضده بقوة المعجزات.

وذهب مع اليشاع الى نهر الأردن، فضرب إيليا الماء بردائه فانشقت شطرين، فجاز كلاهما على اليبس، وإذا بمركبة نارية صعد بها إيليا وأخذ الليشاع رداءه الذي سقط عنه.

وقد ورد ذكر إيليا مراراً في الإنجيل ولا سيما في تجلي الربّ على طور طابور، وجاء في التقليد – وربما كان ذلك بناء على ما جاء في نبوءة ملاخيا (فصل 4: 5 – 6) – إن إيليا سيظهر مع اخنوخ قبل القيامة العامة فيسبقان المسيح الدجّال، ويعظان الناس، ويناديان بقرب مجيء الرب الى الدينونة العامة. وكان صعوده بالمركبة النارية سنة 880 قبل المسيح، صلاته معنا. آمين.