Saints patrons de nos couvents

Mar Abda  
 

تضاربت الروايات في شخصيّة القديس عبدا، وسيرة أحداث حياته؛ فيتراءى لنا من خلالها أكثر من خمس شخصيّات. رواية أولى، في السنكسار والكلندار المارونيّ بتاريخ 16 أيار. وخلاصتها، أن عبدا كان في زمن الرسل. ولد في القرن الأول في دير قونيّ في كلدو ( بلاد ما بين النهرين) من أبوين مجوسيّين. عمّده يهوذا الرسول أثناء تبشيره في تلك البلاد. ورسمه كاهنًا ثمّ رفعه إلى درجة الأسقفية على مدينة خشكار في أرض بابل. فتسلم الأبرشية وأقام الكنائس ورسم الكهنة وبنى ديرًا ومدرسة ضمّت ستين معلّمًا. طاف المدن والقرى يبشّر بالمسيح ويهدي أهل الوثن إلى الايمان ويعمّدهم. منحه الله صنع العجائب ولا سيما شفاء المرضى. فآمن على يده الكثيرون، حتى نقم عليه ملك الفرس وطلب إليه إنكار إيمانه المسيحي والعودة الى مجوسيّته، فأبى. عندها استشاط الملك غضبًا وأنزل فيه أنواع العذابات، لكن دون جدوى، فأمر أخيرًا بقتله. واستُشهد في مدينة نوا على حدود الهند بقطع رأسه مع سبعة رهبان وتسع عذارى من تلاميذه سنة 124م.

رواية ثانية، اشتركت مع الأولى في بعض التفاصيل. إلا أنها جعلت زمن القديس عبدا في القرن الرابع.- ويطلق عليه اسم عبدا الكبير، تمييزًا له من عبدا الصغير. ولد في أوائل القرن الرابع في مدينة كلدو، من أمّ مجوسيّة. رُسم كاهنًا، وعمّد الكثيرين، وبنى ديرًا ومدرسة، كما جاء في الرواية الأولى. ورُسم اسقفًا على المدائن. ولشدة غيرته الرسولية هدم بيتًا للنار. فأمره الملك بإعادة بنائه، فرفض. قبض عليه رجال الملك وعلى عدد من المسيحيين، واستُشهد عبدا مع اسقف آخر اسمه عبد يشوع وأربعين من رفاقه سنة 374 أو 375.

رواية ثالثة، تتأخر باستشهاد عبدا الصغير، الى زمن أردشير الثاني ( 379-383) أخ سابور وخليفته. ولا تختلف في شيء مهمّ عمّا ورد في الرواية السابقة، إلا ما ذُكر عن القديس أنه استُشهد مع سبعة كهنة، وسبعة شمامسة، وسبع عذارى. وقد استُشهد مع الشمامسة هرمز وشينا وبنيامين. وورد تكريمهم في 5 ايلول. وتحمل روايات أخرى، قواسم مشتركة مع روايات سبق وأشرنا إليها، إلا أنها تتباين بتعيين احتفالات الأعياد السنوية من بلدة إلى أخرى؛ بين 31 آذار، و 16 ايار، و 30 تموز، و 3 أو 30 أو 31 آب، و 1 و 5 أيلول.


مار عبدا المشمّر شفيع الأطفال

ارتبط اسم مار عبدا "المشمّر"، أي الساهر، ببقايا كنيسة قديمة العهد بُنيت على تلة المشمّر. وهذا ما تبيّنه الهندسة المبنيّ على أسسها الدير. فقد كانت التلة مركزًا للنساك والعباد منذ أجيال، قبل أن يُشيّد الدير الحالي. وقد تعود إلى ما قبل القرن السابع للميلاد، عندما قَدِم الى لبنان في القرن السادس عدد وافر من الرهبان للاهتمام بتنشئة الذين تنصّروا على يد تلاميذ سمعان العمودي (459 ). وكانوا عادة يقطنون قرب الهياكل والمعابد الوثنية، التي كان أكثرها على الجبال والتلال، فيحوّلونها الى مناسك وكنائس. ولكن، لا الهيكل كان يتحوّل الى معبد، ولا كان يتمّ بناء كنيسة، إلا ويكونان تحت حماية أحد القديسين وعلى ذخيرة من ذخائرهم المقدسة. ونعرف من خلال تاريخ "النصرانية"، انه على أثر الفتح الاسلامي، كان دير على اسم مار عبدا، في مدينة سامَرّا، التي تبعد من بغداد حوالي مائة كيلومتر إلى الشمال. فطُرد الرهبان آنذاك، فهرب قسم منهم إلى الشمال، وقسم آخر رحل الى الجنوب، وقسم التجأ إلى الغرب (سوريا ولبنان). ورهبان "دير سامرا" الذين حلّوا على تلة المشمّر، حملوا معهم ذخائر القديس عبدا، الذي كانت قداسته ذائعة في ذلك العصر، وحوّلوا الهيكل الوثني الى هيكل مسيحيّ، وقطن فيه راهب يُدعى عبدا، ويعني خادم الله. ونرجّح ان الرّهبان قد سكنوا هذه التلة بعد الفتح الاسلامي، ثم هجروها مع المؤمنين بعد انتشار غير المسيحيين في المنطقة، بعدما خرّب المماليك كنائسها وأديارها سنة 1305م.

أمضى عبدا حياته على تلة المشمّر، عابدًا وساهرًا يصلّي، داعيًا الناس الى التخلّي عن عبادة البعل الفينيقيّة، يبكي ويستصرخ ضمائرهم وعاطفتهم الأبوية، كي لا يقدّموا أطفالهم ذبائح بشرية. وبعد أن حوّل الفينيقيّين الى عبادة المسيح، ومنع ممارسة طقوسهم الشنيعة، أخذ يبشّرهم بالانجيل وينصّرهم ويعمّد أطفالهم. هكذا غدا هذا الناسك القديس شفيع الأطفال والنساء العواقر. وما زال الدير الذي بُني على اسمه محجّة للعائلات المتلهّفة لطفل يزرع الفرحة والأمل فيها. وبقي هذا المزار العجائبي يقصده المؤمنون في طلب حاجاتهم، والله أنعم على الكثيرين وما زال بشفاعة صفيّه مار عبدا. وبقيت هذه التلة على مدى الأجيال، مركزًا لعبادة الله الحيّ يتوافد إليها الناس من الجوار، والأماكن البعيدة، متناقلين أبًا عن جد، أخبار مار عبدا وقدرة شفاعته.